لماذا يصعب على بعض الأشخاص قول «لا»؟
كل مرة بقول «حاضر».. جزء مني بيقول «لأ»
«أنا عمري ما زعلت حد.. باجي على نفسي عشان الكل، وبقول حاضر حتى وأنا مش قادر.. وفي الآخر أنا اللي بطلع غلطان!»
هذه الجملة تتكرر كثيرًا في العيادة على لسان أشخاص يعانون من إرهاق نفسي وجسدي نتيجة محاولتهم المستمرة لإرضاء الآخرين، حتى لو كان ذلك على حساب راحتهم واحتياجاتهم الشخصية.
قد يبدو الشخص الذي يقول «حاضر» طوال الوقت وكأنه شخص طيب ومتعاون، لكن في كثير من الحالات لا يكون الدافع وراء ذلك هو الطيبة وحدها، وإنما الخوف من الرفض أو فقدان الآخرين.
لماذا يصعب على بعض الأشخاص قول «لا»؟
قد يخشى الشخص أن يرفض طلبًا فيراه الآخرون شخصًا غير متعاون أو «مش جدع»، أو أن يؤدي رفضه إلى غضب شخص يحبه أو ابتعاده عنه.
لذلك يعتاد الموافقة حتى عندما يكون مرهقًا أو غير قادر على تلبية ما يُطلب منه.
ومع تكرار هذا السلوك، يتحول إرضاء الآخرين إلى عادة، ويصبح قول «لا» أمرًا صعبًا، حتى عندما يكون الرفض هو ما يحتاج إليه الشخص فعلًا.
لكن المشكلة أن الاستمرار في الموافقة على كل شيء لا يحافظ بالضرورة على العلاقات، بل قد يؤدي إلى نتائج نفسية مؤذية على المدى الطويل.
1. قد تفتح الباب للاستغلال
عندما تعوّد من حولك على أنك متاح دائمًا، وأنك تتنازل عن احتياجاتك وحقوقك حتى ترضيهم، فقد يتحول تعاونك المستمر إلى أمر متوقع منهم.
وهنا قد لا تكون النتيجة هي الحصول على مزيد من الحب أو التقدير، بل قد يجد بعض الأشخاص مساحة لاستغلال عدم وجود حدود واضحة لديك.
2. تراكم الضغط والمشاعر
عندما توافق على أشياء لا تريدها، وتخفي غضبك أو ضيقك باستمرار، فإن المشاعر لا تختفي بالضرورة.
قد تتراكم داخلك مشاعر الضغط والاستياء، إلى أن تظهر في صورة غضب شديد أو انفجار في موقف بسيط.
وقد يجعل ذلك الآخرين يرون رد فعلك على أنه مبالغ فيه أو غير مبرر، بينما يكون السبب الحقيقي هو تراكم مواقف ومشاعر لم تعبّر عنها في وقتها.
3. فقدان الإحساس باحتياجاتك
مع الاعتياد المستمر على تقديم رغبات الآخرين على رغباتك، قد تصل إلى مرحلة يصبح من الصعب عليك معرفة ما تريده أنت فعلًا.
هل وافقت لأنك تريد ذلك؟ أم لأنك تخشى أن ترفض؟
ومع الوقت، قد يصبح اهتمامك بما يريده الآخرون أكبر من اهتمامك باحتياجاتك ومشاعرك، فتفقد جزءًا من إحساسك بهويتك وحدودك الشخصية.
قول «لا» ليس قلة ذوق
من المهم أن تعرف أن رفض بعض الطلبات لا يعني أنك شخص سيئ أو غير محب للآخرين. كذلك، وضع حدود واضحة لا يعني الأنانية.
من حقك أن تقول: «مش قادر»، أو «مش مناسب لي»، عندما تكون غير قادر على تقديم ما يُطلب منك.
قيمتك ليست مرتبطة بعدد التنازلات التي تقدمها للآخرين، ولا بمدى قدرتك على إرضاء الجميع.
أنت تستحق الاحترام دون أن تضطر دائمًا إلى التضحية براحتك واحتياجاتك.
والعلاقة الصحية لا تقوم على أن يقول طرف «نعم» لكل شيء حتى لا يخسر الطرف الآخر.
الشخص الذي يقدّرك ويحترمك يستطيع أن يتقبل حدودك عندما تقول إنك غير قادر.
أما إذا كان شخص ما يغضب لمجرد أنك وضعت حدودًا واضحة، فقد يكون تعوده على غياب هذه الحدود جزءًا من المشكلة.
ابدأ بتعلُّم قول «لا»
التوازن لا يعني أن ترفض كل شيء، كما أنه لا يعني أن توافق على كل شيء. المهم أن تتعلم التمييز بين المساعدة التي تقدمها باختيارك، والتنازل الذي تقدمه خوفًا من رفض الآخرين لك.
قبل أن تقول «حاضر»، اسأل نفسك:
هل أريد فعلًا أن أوافق؟ أم أنني أخشى فقط أن أقول «لا»؟
تعلم أن تحافظ على حدودك، وأن تعبّر عن احتياجاتك بوضوح، وألا تجعل السعي المستمر وراء رضا الآخرين يأتي على حساب سلامك النفسي.
لأن محاولة إرضاء الجميع طوال الوقت ليست طريقًا مضمونًا للحصول على رضاهم، بينما احترامك لاحتياجاتك وحدودك هو جزء أساسي من علاقتك الصحية بنفسك وبالآخرين.